ويدل على جواز التطبير أمور:
(1) أصل الإباحة الحكم عند عدم وجدان نص على الخلاف، وليس في المصادر الفقهية الموجودة بأيدينا دليل على حرمة الجرح أو الإدماء.
(2) صدور الإدماء من بعض أهل بيت الحسين (عليه السلام) وتقرير الإمام السجاد (عليه السلام)، ففي الخبر المصحح: أن زينب الكبرى (عليها السلام) لما رأت في الكوفة رأس أخيها على رأس رمح، نطحت جبينها بمقدم المحمل حتى رئي الدم يخرج من تحت قناعها.. وكان في وسع الإمام السجاد (عليه السلام) أن ينهاها عن هذه العملية، ولكنه لم ينهها، وعدم نهيه دليل موافقته.
(3) ورود الأدلة بجواز خمش الوجوه في مصيبة الإمام الحسين(عليه السلام)، وخمش الوجه يلازم الإدماء، فإذا جاز خمش الوجه فقد جاز الإدماء.
فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث موثق أنّه قال: (على مثل الحسين (عليه السلام) فلتشق الجيوب، ولتخمش الوجوه،ولتلطم الخدود).
(4) صدور الإدماء من الإمام زين العابدين (عليه السلام)، فقد روى المجلسي في البحار وفي جلاء العيون: (أن زين العابدين (عليه السلام) بكى على أبيه أربعين سنة صائماً نهاره قائماً ليله، فإذا حضر الإفطار جاءه غلامه بطعامه وشرابه فيضعه بين يديه فيقول: كُلْ يا مولاي، فيقول: (قُتل ابن رسول الله (ص) جائعاً، قُتل ابن رسول الله (ص) عطشاناً)، فلا يزال يكرر ذلك ويبكي حتى يبّل طعامه من دموعه، ثم يمزج شرابه بدموعه، فلَمْ يزل كذلك حتى لحِقَ بالله عزّ وجل وإذا جاز إدماء العيون التي هي أهم وأرقّ الأعضاء فقد جاز التطبير بطريق أولى.
والبكاء بدل الدمع دماً قسمان:
القسم الأول: أن تشتد حرارة الباكي وتتدفق دموعه حتى تمزق الشرايين الرقيقة في الأجفان، فيهمي منها الدم.
القسم الثاني: أن ينشج الباكي بالبكاء وتتدفق دموعه حتى لا تتاح الفرصة للدم حتى ينقلب دمعاً، لأنّ الدمع هو بخار الدم، فإذا قلت الرطوبة وكثر البكاء أو أسرع أكثر من قابلية تبخر رطوبات الدم فإنّ الدم نفسه يجري من عروق الأجفان.
(5)صدور الإدماء من الإمام المنتظر (عليه السلام) كما في زيارة الناحية: (ولأبكيّن عليك بدل الدموع دماً) .
(6)صدور الإدماء من عدد من المعصومين (عليهم السلام) ففي أمالي الصدوق عن إبراهيم بن أبي محمود، عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: (إنّ يوم الحسين (عليه السلام) أقرح جفوننا) .
(7) تقرير الإمام زين العابدين (عليه السلام) للإدماء، فقد روى السيد ابن طاووس في كتابه اللهوف: ولما أخبر بشير بن حذلم، أهل المدينة بمقتل الحسين (عليه السلام) ورجوع زين العابدين فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلا برزن من خدورهن مكشوفة شعورهنّ، مخمشة وجوههن، ضاربات خدودهن، يدعون بالويل والثبور.
(8)تحبيب الأئمة الجزع على الحسين (عليه السلام)، فقد روى الشيخ في المصابيح مسنداً عن أبي جعفر (عليه السلام) فيمن يزور الحسين (عليه السلام) عن بعد في عاشوراء: (ويقيم في داره مصيبته بإظهار الجزع عليه).
وقد جزع الإمام السجاد (عليه السلام) يوم الحادي عشر كما في كامل الزيارات، من قوله (عليه السلام) لعمته: (وكيف لا أجزع ولا أهلع وقد أرى سيدي وأُخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مصرَّعين بدمائهم، مرملين بالعراء، مسلّبين، لا يكفنون ولا يوارون).
وقد مدح الإمام الصادق (عليه السلام) مسمع كردين بقوله: (أما إنّك من الذين يعدُّون من أهل الجزع لنا) والجزع ضد الصبر، وليس التطبير إلا من أهون معاني الجزع.
(9) استحباب الإدماء في كثير من الموارد في الشريعة كالحجامة، ففي الحديث عن النبي (ص): (ما مررت بملك من الملائكة ليلة المعراج إلا وأوصاني بحب علي بن أبي طالب (عليه السلام) والحجامة وكذلك الاختتان .
(10) ففي خبر السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال علي(عليه السلام): إذا أسلم الرجل اختتن ولو بلغ الثمانين).
وكثقب أذن الغلام، ففي خبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله(عليه السلام): (أن ثقب أذن الغلام من السُّنة).
وكخفض الجواري، ففي عديد من الأخبار (أنّ الختان سنة، وأنّه من الحنفية، وأنّ خفض النساء مكرمة).
وكخرم أنوف النساء للخزائم، وغير ذلك من الموارد الكثيرة التي يجدها المتتبع في غضون الفقه، ولو كان الإدماء حراماً ذاتاً لم يكن مجال لتقدم الاستحباب عليه.
إذاً، فالتطبير مباح ذاتاً،ومستحب تأسياً بالحسين (عليه السلام) ومواساة له.
وكل ما سبق كان استدلالاً فقهياً على جواز التطبير، وهنالك دليل غير فقهي لا يدل على جواز التطبير فحسب، ولا يدل على تقدير الإمام الحسين (عليه السلام) لكل من يتطبر بغض النظر عن جميع خصوصياته فقط، وإنما يدل على وجود نوع من المعجزة فيه، فإنّ الضرب القاسي، بالسيف المسلول على الرأس المحلوق ونزول السيف حتى العظم لا بد أن يقضي على الإنسان كما يؤكده الطب القديم والحديث، ونحن نرى ألوف المتطبرين يتطبرون صباحاً، ثم ينظمون أنفسهم في مواكب تطوف كربلاء من المخيم إلى حرم الإمام الحسين (عليه السلام)، ومنه إلى حرم العباس (عليه السلام) ثم تعود إلى حمام المخيم، وتطوف بقية البلاد أكثر من مسافة ميل في لفح الصيف وعواصف الشتاء، وعندما يدخلون الحمام يغسلون رؤوسهم بلا مبالاة طبية، ثم يخرجون ويشتركون في مواكب اللطم والسلاسل حتى الليل، ولا يصاب أحدهم بمكروه، ولئن سقط أحدهم حين الضرب لكثرة نزف الدماء وتغلب الضعف عليه فسرعان ما ينهض، يواصل دوره في موكب التطبير وبقية المواكب، وإنّني شخصياً لم أسمع برجل سقط فمات إلا وتتبعته فإذا به يمشي في الشوارع، ويلعن أعداءه الذين أشاعوا موته كذباً.
يقول الإمام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في كتابه الآيات البينات لا ريب أنّ جرح الإنسان نفسه وإخراج دمه بيده في حد نفسه من المباحات الأصلية، ولكنه قد يجب تارة وقد يحرم أخرى، وليس وجوبه أو حرمته إلا بالعناوين الثانوية الطارئة عليه وبالجهات والاعتبارات، فيجب كما لو توقفت الصحة على إخراجه كما في الفصد والحجامة، وقد يحرم كما لو كان موجباً للضرر والخطر من مرض أو موت، وقد تعرض له جهة تحسنه ولا توجبه، وناهيك بقصد مواساة أهل الإباء، وخامس أصحاب العباء، وسبعين باسل من صحبه وذويه، حسبك بقصد مواساتهم، وإظهار التفجع والتلهف عليهم، وتمثيل شبح من حالتهم مجسمة أمام عيون محبيهم، ناهيك بهذه الغايات والمقاصد جهات محسنة، وغايات شريفة.
أما ترتب الضرر أحياناً بنزف الدم المؤدي إلى الموت أو إلى المرض المقتضي لتحريمه فذاك كلام لا ينبغي أن يصدر من ذي لب فضلاً عن فقيه أو متفقه.
أما أولاً: فلقد بلغنا من العمر ما يناهز الستين، وفي كل سنة تقام نصب أعيننا تلك المحاشد الدموية وما رأينا شخصاً مات بها أو تضرر، ولا سمعنا به في الغابرين.
وأما ثانياً: فتلك الأمور على فرض حصولها إنّما هي عوارض وقتية ونوادر شخصية لا يمكن ضبطها ولا جعلها مناطاً لحكم أو ملاكاً لقاعدة، وليس على الفقيه إلا بيان الأحكام الكلية، أما الجزئيات فليست من شأن الفقيه ولا من وظيفته، والذي علينا أن نقول: إن كل من يخاف الضرر على نفسه من عمل من الأعمال يحرم عليه ارتكاب ذلك العمل.
والواقع: أنّ وجود هذه المعجزة البينة وفي موكب التطبير يكشف عن أن الإمام الحسين (عليه السلام) يوليه عناية خاصة، وكفاه دليلاً على الرجحان.
ونسألكم الدعاء.
|